خليل الصفدي

388

أعيان العصر وأعوان النصر

لأي شيء قلت : ما يعلم مولانا أن قطعة الشطرنج أربعة وستون بيتا ، وإذا وضعت في الأول عددا واحدا ، وفي الثاني اثنين ، وفي الثالث أربعة ، وفي الرابع ثمانية ، وهلمّ جرا ، هكذا تضاعف العدد في كل بيت ، فبلغ العدد أخيرا ثمانية عشر ألفا ست مرات ، وأربعمائة وستة وأربعين ألفا خمس مرات ، وسبعمائة وأربعة وأربعين ألفا أربع مرات ، وثلاثة وسبعين ألفا ثلاث مرات ، وسبعمائة وتسعة آلاف مرتين ، وخمسمائة واحدا ، وخمسين ألفا وستمائة وخمسة عشر عددا ، ومع ذلك فبنو إسرائيل إنما عدّوا الرجال ، وأما النساء والصبيان والأشياخ الذين هرموا فلم يذكرونهم ، فقلت له : إنا يا مولى رشيد الدين : قوم يخرجون في عدة ألف ألف نفس على القليل ، هاربين على وجوههم من فرعون على ما ذا حملوا زادهم ، وأي ماء إذا نزلوا عليه كفاهم ، هذا بعيد من العادة ، فلم يحر جوابا ، فقلت له : أنا أتبرّع لك بالجواب ، وهو أنهم كان معهم موسى - صلوات اللّه عليه - ، وبيده العصا التي يضرب بها الحجر ، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا ، وعناية اللّه - تعالى - بهم تحملهم ، وتعينهم على ما يحتاجون إليه من كل شيء ، وعلى الجملة فالذي استبعده ابن حزم لا ينكر ؛ لأن هذا عدد كثير على ما يزعمونه ، وكان هذا رشيد الدين يحفظ كثيرا من ديوان العفيف التلمساني ، وأظنه رآه واجتمع به ، وكان بيني وبينه صحبة ومودة . ولما توفي - رحمه اللّه تعالى - بصفد في الثالث عشري من شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ، وكان قد عدّى الثمانين ، حكى لي قال : رأيت في النوم كأنني قد أكلت اثنين وثمانين مثقالا من الدرياق ، والأطباء يقولون : إن كل مثقال لسنة ، فلعلي أعيش هذا العدد ، فعدّى الثمانين ، وربما تجاوز عدد المثاقيل ، وكان شيخا طوالا ، ولم يتزوج عمره . ولما توفي - رحمه اللّه تعالى - أخبرني بوفاته القاضي جمال الدين عبد اللّه الكاتب ، وهو ابن أخت المتوفى ، وهو إذ ذاك شاب يانع غض الشبيبة ، فاشتغل خاطري عامة ذلك النهار بالقاضي رشيد الدين - رحمه اللّه تعالى - فلما نمت رأيتني في المنام ، وأنا كأني أنشد الحكيم الفخر الطبيب ابن أخت رشيد الدين أيضا ، وهو إذ ذاك شاب أيضا : ( الكامل ) النّاس إمّا قادم في مهده * أو راحل في نعشه يتحاشى هذا لزهرة هذه الدّنيا أتى * غضّا وهذا قد ذوى وتلاشى فانتبهت وأنا أذكرهما ، وأعجبني هذا المعنى ، ونظمت فيه في اليقظة ، فلم ألحق هذه الطبقة ، لكن فيه مقابلة أربعة بأربعة ، وهو : ( الوافر ) أرى أنّ البريّة وفد زهر * وفعلهم تطابق بالتّساوي